محمد أبو زهرة

76

المعجزة الكبرى القرآن

ومن هذا النقل يتبين أن الباقلاني يرى أن ألفاظ القرآن غرة في كل كلام ، وأن لها رونقا ، وأن لها دخلا في إعجازه ، وأن صورة الكلمة ومخارج حروفها لها روعة ذاتية ؛ لأن ذلك من عند العزيز الحكيم . وإن المتأخرين ممن كتبوا في إعجاز القرآن رأوا أن في الكلمة في القرآن بلاغة خاصة بأدائها ، بمدها وغنها ، وبأصواتها الموسيقية ، وبنغماتها الحلوة ، فلا يمكن أن يكون التآخي بينها وبين أخواتها في المعاني فقط ، بل إن التآخي ، كما هو ثابت في المعاني ثابت في الموسيقى ، وإذا كان اللّه تعالى قد اختار للقرآن ترتيلا يبدو فيه نغمه ومده ، ورنين ألفاظه ، فلا بد أن تكون ألفاظه قد اختيرت لمزية في كل كلمة لا في مجموعها فقط ، ومن أنصار الرأي الذي نظر إلى فصاحة الكلمة الرافعي رحمه اللّه تعالى ، ورضى عنه في كتابه إعجاز القرآن ، فقد قال : « لما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته ، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة ، قراءتها هي توقيعها ، فلم يفتهم هذا المعنى ، وأنه أمر لا قبل لهم به ، وكان ذلك أبين في عجزهم ، حتى أن من عارضه منهم كمسيلمة جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه ، وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني ، كأنه فطن أن الصدمة الأولى للنفس العربية ، إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها ، وليس يتفق ذلك في شئ من كلام العرب . إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع ، وهو بهذا لا يرى رأى الجرجاني في أن الكلمات ليس لها مزايا خاصة ، واللّه أعلم » . 46 - هذان رأيان يبدو أنهما متعارضان في كون فصاحة الكلمة جزءا من البلاغة أو الفصاحة ، وإن لم يكن بينهما فرق ، فالأول لا ينظر إلى الجزء وهو الكلمة ، بل لا ينظر إلا إلى المجموع المؤتلف ، والآخر ينظر إلى الأجزاء وإلى المجموع معا ، بل لا يرى المجموع يكون بليغا إلا إذا انتهى إلى ألحان مؤتلفة ، من حروف في كلمات ، متآلفة ، وكلمات في أسلوب مؤتلف في نغماته وترتيله ، وتناسق بيانه . ولا شك أن الكلمة وحدها من غير أن تكون في مجموعة ليس لها بلاغة ولا مؤدى ، فكلمة شجر من غير أن تكون في كلام ليس لها مؤدى إلا أن تكون في جملة مفيدة تؤدى معنى وتكون بحروفها وقوتها أو لينها متآخية مع أخواتها من الكلام ، ولكن لا بد للكلمة مع الكلمات الأخرى من أن تكون متلاقية في لحن القول والمراد منه ، وتحقيقه ، فهي وحدها لا تؤدى منفردة ، ولكن بضمها إلى أخرى يكون المعنى القوى ، ويكون النغم الجميل ، ويكون الترتيل الذي يملأ النفوس ، وتطمئن به ، وتقشعر منه الأبدان إن أنذر ، وتهدأ إن بشر ، وتتفكر العقول إن دعا إلى التأمل .